خليل الصفدي

398

أعيان العصر وأعوان النصر

قال : كان في طلبي له تلك الأيام شخص يعرف بالإفسنجي ، وكنت قد درست وتميّزت ، أو قال فكنت أتردد إليه على كره مني ، والعلم في نفسه صعب ، وعبارة الأفسنجي فيها عجمة ، فإذا أردت منه زيادة بيان ، أو قلت له : ما ظهر لي جثا ، وأدار وجهه عني ، فأنفت من تلك الحالة ، وبطلت الاشتغال ، أو كما قال . قلت : أغناه فكره الصائب وذهنه الثاقب عن ذلك ؛ لأن المنطق علم عقل لا نقل ، على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الدين وأصول الفقه ، فالمنطق نحو المعاني ، كما أن النحو منطق الألفاظ ، وابن الزملكاني كان يعرف المنطق على وجه كلّي ، كما أن امرؤ القيس وغيره من فصحاء قريش يعرفون النحو على وجه كلّي ، وقال ابن سينا : واضع النحو والعروض في اللغة العربية يشبه واضع المنطق والموسيقى في اللغة اليونانية ، قلت : لعمري هذا تشبيه من عرف حقيقة هذه العلوم الأربعة ، ولقد أورد بعض الأفاضل على تعلق المنطق : إن كانت هذه الآلات من الفطريات ، فليستغن عن تعلمها ، وإلا افتقرت إلى آلة أخرى ، ودار وتسلسل ، وأجابه المنتصرون بأن بعضها فطري وبعضها كسبي ، فاندفع الإشكال . قلت : بل الإشكال باق على حاله ، فنقول فيما هو فطري ما قلناه أولا ، وفيما هو كسبي ما قلناه أولا ، وما كان الشيخ في ذلك بحيث إنه يجهل معرفة التصور ، والتصديق ، ودلالة المطابقة ، ودلالة التضمن ، ودلالة الالتزام ، والضرب من الشكل المنتج والكاذب ، ومواد البرهان ، والمقدّم والتالي ، وقياس الخلف ، وغير ذلك ، مما يدخل في الأصولين ، بل كان يعرف ذلك معرفة جيدة تامة ، يتسلّط بها على باقي الفن ، أما أنه كان يطلب منه أن يشغل في مختلطات كشف الأسرار للخونجي فلا ، وقلت أنا في مقتضى حال الشيخ كمال الدين - رحمه اللّه تعالى - : ( الكامل ) أغناه ثاقب ذهنه وذكاؤه * عن أن يقلّد في الأنام سواه من كان كالشّمس المنير ذهنه * فجميع ما تحوى العلوم يراه وقال : وكان الشيخ كمال الدين - رحمه اللّه تعالى - علامة الزمان وثلامة البهتان ، قائما بالفقه ودقائقه ، وغوامضه وحقائقه ، لو رآه الروياني لأغرقه في بحره ، أو المتولي « 1 » لعزل عما أكسبه نهاية فخره ، أو القفال لفتح له أبواب نصره ، أو الرافعي لانحط إلى حفضه

--> ( 1 ) المتولي هو : عبد الرحمن بن مأمون بن علي ، توفي سنة 478 ه . ( انظر : وفيات الأعيان : 3 / 133 ، وسير أعلام النبلاء : 18 / 585 ، والكشف : 1 / 1 ) .